أبي منصور الماتريدي

46

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إلى رسول الله ، وإلى ما يتلو من القرآن ، [ لكنه لا يؤمن ، أخبر أنه ] « 1 » لا كل مستمع إلى شيء ينتفع بما يستمع أو يعقل ما يستمع ويفهم ، إنما ينتفع بالاستماع ويعقل على قدر المقصود والحاجة إليه . [ ومنهم من كانوا ينهون من يستمعون لقبول القول منهم ] « 2 » . ومنهم من كان يستمع إليه ؛ ليسمع غيره ، كقوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [ المائدة : 41 ] . ومنهم من كان يسمعه ، ويطيعه في ذلك ، فإذا خرج من عنده غيره وبدله كقوله : وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ [ النساء : 81 ] . ومنهم من كان يستمع إليه ؛ استهزاء منه ، وطلب الطعن فيه والعيب ، كانوا مختلفين في الاستماع ، ثم نفى عنهم السمع والعقل والبصر ؛ لوجهين : أحدهما : ما ذكرنا أنهم لما لم ينتفعوا بأسماعهم وعقولهم وأبصارهم وهذه الحواس انتفاع من ليست له هذه الحواس ، [ نفى عنهم ذلك ؛ إذ هذه الحواس ] « 3 » إنما جعلت ، لينتفع بها لا لتترك سدى « 4 » لا ينتفع بها . والثاني : كان العقل والسمع والبصر ، وهذه يكون منها مكتسب بالاكتساب ، ومنها ما يكون غريزة ، فهم تركوا اكتساب الفعل الذي جعل مكتسبا فنفى عنهم ؛ لما تركوا اكتساب ذلك . ويحتمل نفي هذه الحواس لهذين الوجهين اللذين ذكرتهما ، والله أعلم . ثم نفى عمن لا يستمع العقل ، حيث قال : لا يَعْقِلُونَ ، ونفى عنهم الاهتداء والإبصار بترك النظر ، فقال : أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ؛ لأن بالبصر يوصل إلى اهتداء الطرق والسلوك فيها ، ألا ترى أن البهائم قد تبصر الطرق ، وتسلك بها ، وتتقي بها المهالك ، ولا تعقل ، لما ليس لها العقل « 5 » ، فلا تعقل لما يسمع القلب بعقل ، وبظاهر البصر تبصر الأشياء .

--> ( 1 ) في أ : لكنه يخبر أنه . ( 2 ) بدل ما بين المعقوفين في أ : ومنهم كانوا يستمعون لمعاني مرة ، يستمعون بقبول القول منهم والمنزلة . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : هدى . ( 5 ) في أ : سمع العقل .